كتاب ما بعد العاصفة للشيخ عبدالمحسن ملا عطية

أضيف بتاريخ ١٠/١٠/٢٠١٩
ميرزا المحفوظ


كتاب: ما بعد العاصفة
المؤلف: الشيخ عبدالمحسن ملا عطية

مقدمة الكتاب

وبه نستعين، والصلاة علـى رسـول رب العـالمين محمـد النبي الأمي وعلى آله الأتقياء الميامين..

وبعد..

فعلى أثر خطاب ألقيتـه مسـاء يـوم السـادس مـن المحـرم
الحرام )ليلة السابع( لعام ١٤٤٠هـ في مأتم الحاج منصور بـن نايم رحمه االله تعالى، تناولت فيه بعض المواقع التي تستنزف نفقات وطاقات الزوار في كربلاء ولا تمت للعتبتين الحسـينية والعباسية بصلة سوى أن أصـحابها الـذين يملكونهـا يزعمـون أنها ذات علاقة بالأحداث التي جرت على الحسين وأصحابه في كــربلاء، منهــا محــلات في الســوق أسســت باســم عبــد االله الرضـيع وعلـي الأكـبر والقاسـم بـن الحسـن وكـذلك مقامـان لكفي العباس الأيمن والأيسر، تلقيت سيلا من ردود الأفعال المتباينة والمختلفة والتي تعبر عن أصـحابها ثقافـة وأخلاقـ، منهــا معتدلــة متعقلــة أحــترم أصـحابها كثيــر
ًا، ومنهــا متطرفــة

جهولة.
 

ولــم يقتصــر الوضــع علــى انقســام المجتمــع بــين مؤيــد ومخالف كحالة طبيعية تحدث في قبـال أي أطروحـة أو فكـرة يراها البعض جديدة، وإنما تعدى الأمر لأبعد من ذلـك كثيـر ًا عنــدما ركــب الحــدث عشــاق النزاعــات والخلافــات ممــن يح ِّشـدون لكـل فتنـة، وقامـت معهـم بعـض الفئـات المهمشـة التـي تسـعى علـى الـدوام للتلـويح بأنهـا موجـودة بـأي صـورة

كانت من الصور العبثية التي عودونا عليها. غيـر أن مــا يقـر العــين أن جميـع مـن خـاض غمـار هـذه

المعمعة من العلماء أو أساتذة الجامعات والطبقة المثقفة من الأكاديميين كانت لهم آراء متفهمة ومعتدلة وكثير منها كانـت مطابقة تماما لرؤيتي. في حين ركز فريق من المفلسين ممن لا يجدون حجة يدفعوا بها كلامي على قشـة الطـرح والأسـلوب أو التركيز على مفردة )دكاكين(، ولعمري ما تلفظت بهـا علـى نحو السخرية وإنمـا جـاءت في مقـام التوصـيف والبيـان، ولـو أنهم كلفوا أنفسهم عناء الفحص لأدركوا جليـا أن بعـض هـذه المزارات ينطبق عليها هذا التوصـيف دقيـا وحقيقـة لا مجـازا ولا اسـتعارة قـد يــراد مـن خلالهـا التشـبيه أو المبالغـة، فهـي بالفعل حوانيت تفتح بوقت وتقفل بوقت ولا يحـق للزائـر أن يأخـذ منهـا شـيئا للتـبرك دون أن يـدفع، ولا حـول ولا قـوة إلا

باالله.

وكيف ما كان، فنحن لسنا شـواذا مـن بـين الأمـم، فهكـذا
تبدو صورة العالم الإسلامي بشكل عام كما تبـدو الصـورة في المكون الشيعي بشكل خـاص فيمـا يـرتبط بالتـأريخ والـتراث والشــعائر، فعــدم التفريــق بــين الرمــز والحقيقــة هــو أجلــى مصاديق هذه الصورة، فكم من رمز مقدس لا حقيقة له، وكـم من حقيقة مقدسة لا رمز لها. هـذه الصـورة العبثيـة هـي نتيجـة الجهل بالتأريخ أولا وأخيرا، أو تعمد تجاهـل التـأريخ لسـبب أو لآخـر. غيـر أن مـا لاشـك فيـه أن هـذا الجهـل أو التجاهـل للتـــأريخ
ُيبقـــي البـــاب مفتوحـــا علـــى مصـــراعيه للعبـــث في المعتقدات والاستغراق في ابتداع شـعائر ورمـوز لا أصـل ولا حقيقة ولا تأريخ لها إلى ما لا نهاية، حتـى تصـبح هـذه الرمـوز مع الأيام ثوابتا يتعصب لها من لا ثقافة له، ثم لا يجـوز لأحـد الحديث عنها أو التشكيك فيها، بل لأجلها قـد ُتنتهـك بعـض الثوابت الأكيدة كحرمة المؤمن وحرمة النيـل أو الاسـتخفاف

منه. و)رب ضـارة نافعـة(، فهـذه السـطور القليلـة التـي دونتهـا

علـى عجالـة مـن أمـري مـا كانـت لتجـد طريقهـا للنشـر لـولا الحملة الجهلاء التي قادها مجموعة من الغوغـاء وح َّشـد لهـا فريق آخر ممن اعتادوا ركوب مطايا الفتن محاولين جاهـدين التدليس في مقاصد خطابي وحرفـه عـن أهدافـه كأسـلوب مـن
 

أساليب الإرهاب الفكري المؤدلج، لغايـة في نفوسـهم ؛ غيـر أن ما أرادوا طمسه أظهروه بجهلهم، وإني لأعـرف هويـة هـذه الحملــة بكــل قياداتهــا ووجوههــا المتلونــة. وبعــد اســتثنائي العقلاء الذين تواصلوا معي بشكل مباشـر وودي سـواء كـانوا مستفهمين أو ناقدين ممن أحـترمهم وأجلهـم كـالأخ العلامـة الشيخ علـي الكـوراني، وبعـد اسـتثناء الرعـاع ممـن لا ألـومهم لجهلهم، يتبقى فريقـان آخـران نشـطان قـد لعبـا دورا بـارزا في

تأليب الشارع. فأمــا الأول فهــم المنتفعــون ـ ســواء كــانوا في كــربلاء أو

غيرهـا مـن بـلاد المسـلمين ـ ممـن اتخـذوا أهـل بيـت النبـي مسـتأكلا ومعاشـا، واتخـذوا عشـاق الحسـين ـ سـيما العنصـر النســـوي والبســـطاء مـــنهم ـ ســـخريا ومغنمـــا مـــن خـــلال مســـرحياتهم وتمثيليـــاتهم وخرافـــاتهم، فيقتـــاتون علـــى ولاء البســطاء وحاجــاتهم وأمراضــهم، ويبيعــونهم باســم الحســين الشفاء من الأمراض، والإخصاب والذرية، ويبيعـونهم قضـاء الحاجـات والأمنيـات ـ طمعــا في مكاسـب ومصــالح دنيويـة مادية كانت أو سيادية أو غيرها، ثم لا يحق للخطباء والوعاظ في نظرهم أن يرشدوا الناس أو يحـذروهم أو يأخـذوا دورهـم الطبيعي في هذا المجتمع كمصـدر توعـوي يـأمرون بمعـروف

أو ينهون عن منكر.
 

وأما الفريق الآخر فهم المتربصـون ممـن اتخـذوا السـب والشــتم تجــارة يكســبون مــن خلالــه ُود الجهلــة وتبجيــل المغفلين، رغبة في الوصول للشهرة التي عجزوا عن الوصول إليها حتى عـبر قنـواتهم البائسـة رغبـة في رفعـة حظهـم وإحيـاء ذكرهم الخامـل، متعلقـين بأذيـال الشـعائر ومظهـرين أنفسـهم رعاة لها في مواجهة المنحرفين بزعمهم، وكأن الشـعائر ملـك لهـم أو حكـر علـى مفـاهيمهم ومعتقـداتهم، أو ربمـا ظنـوا في

أنفسهم أنهم أص ٌل ومن خالفهم فرع عليهم.. وأمثــال هــؤلاء تعــوزهم في العــادة البرهنــة ويفتقــرون

للحجـة، ولكــنهم عوضــا عـن ذلـك يجيــدون العبـث بــالوتر العاطفي والكـلام الإنشـائي الأجـوف، ولعمـري مـا حـاجتهم للحجـــج أو البراهـــين إذا كانـــت بضـــاعتهم لا تســـوق إلا في محافل الجهلة وأندية البسـطاء مـن العـوام أساسـا، ولا حـول

ولا قوة إلا باالله العلي العظيم.

عبد المحسن ملا عطية الجمري بني جمرة مملكة البحرين الأربعاء ٢٣ محرم الحرام ١٤٤٠

 

 


alasefa.pdf alasefa